محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
6
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
وقد ذكر الشيخ « أبو عبد الرحمن السلمى « 1 » » و « الحافظ أبو نعيم الأصبهاني « 2 » » عن « يوسف بن الحسين الرازي « 3 » » رضى اللّه عنهم أنه قال : « عارضني بعض الناس في كلام وقال لي : لا تستدرك مرادك من عملك إلا أن تتوب ، فقلت مجيبا : لو أنّ التوبة تطرق بابي ما أذنت لها ، على أنّي أنجو بها من ربّي ، ولو أن الصدق والإخلاص كانا عبدين لي لبعتهما زهدا مني فيهما ؛ لأني إن كنت عند اللّه في علم الغيب سعيدا مقبولا ، لم أتخلّف باقتراف الذنوب والمآثم ، وإن كنت عنده شقيا مخذولا لم تسعدني توبتي ولا إخلاصي وصدقي ، وإن اللّه خلقني إنسانا بلا عمل ولا شفيع كان لي إليه وهداني لدينه الذي ارتضاه لنفسه ، فقال تعالى : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ [ آل عمران : 85 ] . فاعتمادي على فضله وكرمه أولى به إن كنت حرا عاقلا من اعتمادي على أفعالي المدخولة « 4 » وصفاتي المعلولة ؛ لأن مقابلة فضله وكرمه بأفعالنا من قلّة معرفتنا بالكريم المتفضل » . قلت : وهذه الحكاية وأمثالها ربما تقرع سمع من لا حقيقة عنده من طريق القوم ، فينكر معناها ولا يعتقده أو يسلّمه ويدّعيه مقاما لنفسه ، وكلتا الحالتين مؤدّية بصاحبها إلى ضرر وخطر ، فليتق اللّه تعالى عبد ليس له بصر في هذه الطريقة أن ينكر ما ذكرناه فبقع في الاعتراض على السادة والأولياء ، وفي ذلك بعده عن اللّه تعالى ، أو يدّعيه مقاما لنفسه من غير أن يستظهر عليها ويتوثق منها ، ويزنها بالمعيار الذي نبهنا عليه . ومحال وجود ذلك
--> ( 1 ) محمد بن الحسين بن محمد بن موسى الأزدي السلمي النيسابوري ، أبو عبد الرحمن ، من علماء المتصوفة ، كان يضع الأحاديث للصوفية . بلغت تصانيفه مئة أو أكثر منها « حقائق التفسير » مختصر ، و « مناهج العارفين » و « رسالة الملاقية » وغير ذلك ، مولده ووفاته في نيسابور . ( 325 - 412 ه - 936 - 1021 م ) . ( الأعلام 6 / 99 ) . ( 2 ) أحمد بن عبد اللّه بن أحمد الأصبهاني ( 336 - 430 ه - 948 - 1038 م ) أبو نعيم ، حافظ ، مؤرخ من الثقات في الحفظ والرواية . ولد ومات في أصبهان . من تصانيفه « حلية الأولياء وطبقات الأصفياء » و « معرفة الصحابة » وغيرهما . ( الأعلام 1 / 157 ، ولسان الميزان 1 / 201 ، ووفيات الأعيان 1 / 91 - 92 ، وكشف الظنون 2 / 689 ) . ( 3 ) يوسف بن الحسين بن علي ( توفي سنة 304 ه - 916 م ) أبو يعقوب الرازي ، زاهد صوفي من العلماء الأدباء ، كثير السياحة . كان شيخ الري والرجال في وقته ، وفيهم من يصفه بالزندقة وهو من أقران ذي النون المصري . ( الأعلام 8 / 227 ، وطبقات الشعراني 1 / 105 ، والرسالة القشيرية ص 414 ) . ( 4 ) دخل فلان : أصابه الفساد في عقله أو جسمه .